ابن أبي الحديد

430

شرح نهج البلاغة

سبيلا ) . ( 1 ) يعنى لابتغوا إلى الله تعالى سبيلا . وقال تعالى : ( ذو العرش المجيد . فعال لما يريد ) ( 2 ) والاستهتار : مصدر استهتر فلان بكذا ، أي لازمه وأولع به . وقوله : ( فينوا ) أي فيضعفوا ، وني : يني والجد : الاجتهاد والانكماش . ثم قال : إنهم لا يستعظمون عبادتهم ، ولو أن أحدا منهم استعظم عبادته لأذهب خوفه رجاءه الذي يتولد من استعظام تلك العبادة ، يصفهم بعظم التقوى . والاستحواذ : الغلبة ، والغل الحقد ، وتشعبتهم : تقسمتهم وفرقتهم ، ومنه قيل للمنية ( شعوب ) أي مفرقة . وأخياف الهمم : أي الهمم المختلفة ، وأصله من الخيف ، وهو كحل إحدى العينين دون الأخرى ، ومنه المثل : الناس أخياف ، أي مختلفون ، والإهاب : الجلد . والحافد : المسرع ، ومنه الدعاء : اللهم إليك نسعى ونحفد . * * * واعلم أنه عليه السلام إنما كرر وأكد ، صفاتهم بما وصفهم به ليكون ذلك مثالا يحتذى عليه أهل العرفان من البشر ، فإن أعلى درجات البشر أن يتشبه بالملك ، وخلاصة ذلك أمور . منها العبادة القائمة ، ومنها ألا يدعى أحد لنفسه الحول والقوة ، بل لا حول ولا قوة . ومنها أن يكون متواضعا ذا سكينة ووقار . ومنها أن يكون ذا يقين لا تقدح فيه الشكوك والشبهات . ومنها ألا يكون في صدره إحنة على أحد من الناس . ومنها شدة التعظيم والهيبة لخالق الخلق ، تبارك اسمه ! ومنها أن تستفرغه أشغال العبادة له عن غيرها من الاشغال . ومنها لا تتجاوز رغباته

--> ( 1 ) سورة الإسراء 42 . ( 2 ) سورة البروج 15 ، 16 .